ابن أبي الحديد

155

شرح نهج البلاغة

عنها ، واعتراض المرتضى في " الشافي " على قاضي القضاة ، ونذكر ما عندنا في ذلك ثم نذكر مطاعن أخرى لم يذكرها قاضي القضاة . * * * [ الطعن الأول ] قال قاضي القضاة بعد أن ذكر ما طعن به فيه في أمر فدك ، وقد سبق القول فيه . ومما طعن به عليه قولهم : كيف يصلح للإمامة من يخبر عن نفسه أن له شيطانا يعتريه ومن يحذر الناس نفسه ، ومن يقول : " أقيلوني " بعد دخوله في الإمامة ، مع أنه لا يحل للامام أن يقول : أقيلوني البيعة ! أجاب قاضي القضاة فقال : إن شيخنا أبا على قال : لو كان ذلك نقصا فيه لكان قول الله في آدم وحواء : ( فوسوس لهما الشيطان ) ( 1 ) ، وقوله : ( فأزلهما الشيطان ) ( 2 ) ، وقوله : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنبته ) ( 3 ) ، يوجب النقص في الأنبياء ، وإذا لم يجب ذلك ، فكذلك ما وصف به أبو بكر نفسه ، وإنما أراد أنه عند الغضب يشفق من المعصية ويحذر منها ، ويخاف أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيوسوس إليه ، وذلك منه على طريقه الزجر لنفسه عن المعاصي ، وقد روى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ترك مخاصمة الناس في حقوقه إشفاقا من المعصية ، وكان يولى ذلك عقيلا ، فلما أسن عقيل كان يوليها عبد الله بن جعفر . فأما ما روى في إقالة البيعة فهو خبر ضعيف ، وإن صح فالمراد به التنبيه على أنه لا يبالي لأمر يرجع إليه أن يقيله الناس البيعة ، وإنما يضرون بذلك أنفسهم ، وكأنه نبه بذلك .

--> ( 1 ) سورة الأعراف 20 . ( 2 ) سورة البقرة 36 . ( 3 ) سورة الحج 52